فلسطيني
09-25-2006, 11:04 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في ذكر شيء من نعيم الجنة:
الحمد لله ، الذي جعل جنات الفردوس لعباده المؤمنين نزلاً ، ونوَّع لهم الأعمال الصالحة ؛ ليتخذوا منها إلى تلك الجنات سبلاً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي شمر للحاق بالرفيق الأعلى ، والوصـول إلى جنـات المأوى ، ولم يتخذ سواها شغلاً ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما تتابع القطر والندى وسلم تسليماً .
أما بعد :
أيها الناس : اتقوا الله تعالى : { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين . الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين . والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون . أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين } . سارعوا إلى دار فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، مفتاحها قول لا إله إلا الله ، وأسنانه شرائع الإسلام ، فمن جاء بمفتاح له أسنان فتح له ، ومن جاء بمفتاح بلا أسنان أوشك ألا يدخل أبوابها الثمانية، فمن أنفق زوجين في سبيل الله دعي من أبواب الجنة .
يا عبد الله : هذا خير ، فمن كان من أهل الصلاة ، دعي من باب الصلاة ، ومن كان من أهل الجهاد ، دعي من باب الجهاد ، ومن كان من أهل الصدقة ، دعي من باب الصدقة ، ومن كان من أهل الصيام ، دعي من باب الريان ، وقد يدعى الإنسان من جميع الأبواب ، ما بين مصراعين من مصاريعها كما بين مكة وهجر ، بناؤها لبنة من ذهب ، ولبنة من فضة ، ملاطها المسك ، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت ، وترابها الزعفران ، فيها غرف يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها ، للمؤمن فيها خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة ، طولها ستون ميلاً ، في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر في ظلها مئة عام ، لا يقطعهـا ، قـال ابن عبـاس ــ رضـي الله عنهما ــ في قوله تعالى : { وظل ممدود } ، قال : الظل الممدود : شجرة في الجنة على ساق ظلها قدر ما يسير الراكب في نواحيها مائة عام ، يخرج إليها أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم ، فيتحدثون في ظلها ، غراسها سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، جنتان فيهما من كل فاكهة زوجان ، وجنتان فيهما فاكهة ونخل ورمان ، وليست تلك الفواكه والنخل والرمان كهيئتها في الدنيا ، وإنما الاسم هو الاسم ، والمسمى غير المسمى ، قد ذللت قطوفها تذليلاً ، إن قام تناولها بسهولة ، وإن قعد تناولها بسهولة ، وإن اضطجع تناولها بسهولة ، كلما قطع منها شيئاً خلفه آخر ، كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ، وأتوا به متشابهاً في اللون والهيئة ، مختلفاً في الطعم ، ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ، يدعون فيها بكل فاكهة آمنين من الموت ، آمنين من الهرم ، آمنين من المرض ، آمنين من كل خوف ، ومن كل نقص في نعيمهم ، أو زوال ، خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ، إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ ، فيها أنهار من ماء غير آسن ــ أي لم يتغير ولا يتغير أبداً ــ ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه بحموضة ولا فساد ، وأنهار من خمر لذة للشاربين لا يصدع الرؤوس ولا يزيل العقول ، وأنهار من عسل مصفى ، تجري هذه الأنهار من غير حفر سواق ولا إقامة أخدود يصرفونها كما يشاؤون ، يطوف عليهم ولدان مخلدون ، إذا رأيتهم حسبتهم في جمالهم وانتشارهم في خدمة أسيادهم لؤلؤءاً منثوراً ، يطوفون عليهم بكأس من معين ، بيضاء لذة للشاربين ، بآنية من فضة ، وأكواب كانت قوارير ، قوارير من فضة قدروها تقديراً ، يعطى الواحد منهم قوة مئة في الطعام والشراب ؛ ليأكلوا من جميع ما طاب لهم ، ويشربوا من كل ما لذَّ لهم ، ويطول نعيمهم بذلك ، ثم يخرج طعامهم وشرابهم جشاء ورشحاً من جلودهم كريح المسك ، فلا بول ولا غائط ولا مخاط ، لهم فيها أزواج مطهرة من الحيض والنفاس والبول وكل أذى وقذر ، هم وأزواجهم في ظلال على الآرائك متكئون ، لهم فيها فاكهة ، ولهم ما يدعون ، سلام قولاً من رب رحيم ، أنشأهن الله إنشاء فجعلهن أبكاراً ، كلما جامعها زوجها عادت بكراً ، وجعلهن عرباً أتراباً ، والعروب هي المرأة المتوددة إلى زوجها ، أتراباً على سن واحدة ، فيها ما تشتهيه الأنفس ، وتلذ الأعين وهم فيها خالدون ، لا يبغون عنها حولا ، ولا هم عنها مخرجون ، ينادي مناد أن لكم أن تصحـوا فلا تسقموا أبداً ، وأن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً ، وأن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً ، وفوق ذلك كله أن الله أحل عليهم رضوانه ، فلا يسخط عليهم أبداً ، وفوق ذلك كله ما يحصل لهم من النعيم برؤية ربهم البر الرحيم ، الذي مَنَّ عليهم حتى أوصلهم بفضله إلى دار السلام والنعيم ، فإنهم يرونه عياناً بأبصارهم كما قال تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } ، وقال النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ : إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر .
فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ، وصلاة قبل غروبها ، فافعلوا ، فإن سألتم عن أهل هذه الجنات ، وساكني تلك الغرفات ، فهم الذين وصفهم الله في محكم الآيات بقوله : { قد أفلح المؤمنون . الذين هم في صلاتهم خاشعون . والذين هم عن اللغو معرضون . والذين هـم للزكاة فاعلون . والذين هم لفروجهم حافظون . إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون . والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون . والذين هم على صلواتهم يحافظون . أولئك هم الوارثون . الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون } .
اللَّهم إنا نسألك الجنة ، وما قرَّب إليها من قول وعمل ، ونعوذ بك من النار ، وما قرب إليها من قول وعمل ، اللَّهم تب علينا ، واغفر لنا ، وارحمنا ، إنك أنت التواب الغفور الرحيم .
في ذكر نماذج من عذاب النار:
الحمد لله ، مستحق الحمد وأهله ، المجازي خلقه جزاء دائراً بين عدله وفضله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ملكه وحكمه ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أفضل خلقه ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وتابعي هديه ، وسلم تسليماً .
أما بعد :
أيها الناس : اتقوا الله تعالى ، واتقوا النار التي أعدت للكافرين ، وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ، اتقوا ذلك بامتثال أوامر الله ، واجتناب نواهيه ، فإنه لا نجاة لكم من النار إلا بهذا ، اتقوا النار فإنها دار البوار والبؤس ، ودار الشقاء والعذاب الشديد ، دار من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ، ساكنوها شرار خلق الله من الشياطين وأتباعهم قال الله تعالى لإبليس : { فالحق والحق أقول لأملأنَّ جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } ، دار فرعون وهامان وقارون وأبّي بن خلف وغيرهم من طغاة الخلق وفجّارهم ، ولئن سألتم عن مكانها ، فإنها في أسفل السافلين ، وأبعد ما يكون عن رب العالمين ، طعام أهلها الزقوم ــ وهو شجر خبيث مر المطعم كريه المنظر لا يسمن ولا يغني من جوع ــ ، وفي الحديث عن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال : « اتقوا الله حق تقاته فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهـم » . رواه النسائي والترمذي وقال حسن صحيح .
هذا طعامهم إذا جاعوا ، فإذا أكلوا منها التهبت أكبادهم عطشاً ، وإن يستغيثوا يغاثو بماء كالمهل ــ وهو الرصاص المذاب ــ يشوي وجوههم حتى تتساقط لحومها ، فإذا شربوه على كره وضرورة قطع أمعاءهم ، ومزَّق جلودهم ، هذا شرابهم كالمهل في حرارته ، وكالصديد في نتنه وخبثه ، يضطر شاربه إلى شربه اضطراراً ، يتجرعه ولا يكاد يسيغه ، ويأتيه الموت من كل مكان ، وما هو بميت ، ومن ورائه عذاب غليظ .
أما لباسهم فلباس الشر والعار ، قطعت لهم ثياب من نار ، سرابيلهم من قطران ، وتغشى وجوههم النار ، فلا يقيهم هذا اللباس حر جهنم ، وإنما يزيدها اشتعالاً وحرارة ، ولا يستطيعون أن يقوا به وهج النار وحرها عن وجوههم : { يصب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجـوا منهـا مـن غـم أعيدوا فيهـا وذوقوا عذاب الحريق } .
عباد الله : اتقوا النار ، فإن حرها شديد ، قد فضلت على نار الدنيا كلها بتسع وستين جزءاً يصلاها المجرمون فتنضج جلودهم ، قال الله تعالى : { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها لذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيماً } ، يرتفع بهم اللهب حتى يصلوا إلى أعلاها ، وكلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ، وقيل لهم ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون ، عذابهم فيها دائم لا يفتر عنهم ، وهم فيه مبلسون ، يتكرر عليهم فلا يستريحون ، ويسألون الخلاص منه ولو ساعة فلا يجابون ، يقولون لخزنة جهنم : ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب ، فتقول الملائكة لهم أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات ؟! قالوا : بلى ، قالوا : فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ، فلن يستجاب لهم ؛ لأنهم لم يستجيبوا للرسل حينما دعوهم إلى الله تعالى ، فكان الجزاء من جنس العمل ، قالوا : ربنا غلبت علينا شقوتنا ، وكنا قوماً ضالين ، ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ، فيقول الله لهم ــ على وجه الإهانة والإذلال ــ : اخسؤوا فيها ولا تكلمون . فحينئذ ييأسون من كل خير ويعلمون أنهم فيها خالدون ، فيزدادون بؤساً إلى بؤسهم ، وحسرة إلى حسرتهم ، كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين مـن النـار : { خالدين فيها أبداً لا يجدون ولياً ولانصيراً يوم تقلـب وجوههـم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا } .
عباد الله : اتقوا النار ، فإن قعرها بعيد ، وأخذها شديد . قال أبو هريرة ــ رضي الله عنه ــ : كنا عند النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ فسمعنا وجبة ــ أي صوت شيء وقع ــ ، فقال النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ : « أتدرون ما هذا قلنا الله ورسوله أعلم قال هـذا حجـر أرسله الله في جهنم منذ سبعين خريفاً ــ أي سنة ــ فالآن حين انتهى إلى قعرها » . ( رواه مسلم ) .
إذا رأت النار أهلها من مكان بعيد ، سمعوا لها تغيظاً وزفيراً تتقطع منه القلوب ، فإذ ألقوا فيها ، سمعوا لها شهيقاً وهي تفور ، تكاد تتميز من الغيظ ــ أي تكاد تتقطع من شدة الغيظ والغضب على أهلها ــ ، فهي دار حانقة غاضبة على أهلها ، وهم في جوفها ، فما ظنك أن تفعل بهم ؟! .
عباد الله : اتقوا النار ، احذروا أن تكونوا من أهلها ، ولقد بين الله لكم صفات أهل النار ، وصفات أهل الجنة ، جملة وتفصيلاً ، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، قال الله تعالى : { فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى } .
اللَّهم إنا نسألك النجاة من النار ، والفوز بدار القرار ... إلخ .
لا تنسوني من دعائكم
اخوكم : حمزة
في ذكر شيء من نعيم الجنة:
الحمد لله ، الذي جعل جنات الفردوس لعباده المؤمنين نزلاً ، ونوَّع لهم الأعمال الصالحة ؛ ليتخذوا منها إلى تلك الجنات سبلاً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي شمر للحاق بالرفيق الأعلى ، والوصـول إلى جنـات المأوى ، ولم يتخذ سواها شغلاً ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما تتابع القطر والندى وسلم تسليماً .
أما بعد :
أيها الناس : اتقوا الله تعالى : { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين . الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين . والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون . أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين } . سارعوا إلى دار فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، مفتاحها قول لا إله إلا الله ، وأسنانه شرائع الإسلام ، فمن جاء بمفتاح له أسنان فتح له ، ومن جاء بمفتاح بلا أسنان أوشك ألا يدخل أبوابها الثمانية، فمن أنفق زوجين في سبيل الله دعي من أبواب الجنة .
يا عبد الله : هذا خير ، فمن كان من أهل الصلاة ، دعي من باب الصلاة ، ومن كان من أهل الجهاد ، دعي من باب الجهاد ، ومن كان من أهل الصدقة ، دعي من باب الصدقة ، ومن كان من أهل الصيام ، دعي من باب الريان ، وقد يدعى الإنسان من جميع الأبواب ، ما بين مصراعين من مصاريعها كما بين مكة وهجر ، بناؤها لبنة من ذهب ، ولبنة من فضة ، ملاطها المسك ، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت ، وترابها الزعفران ، فيها غرف يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها ، للمؤمن فيها خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة ، طولها ستون ميلاً ، في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر في ظلها مئة عام ، لا يقطعهـا ، قـال ابن عبـاس ــ رضـي الله عنهما ــ في قوله تعالى : { وظل ممدود } ، قال : الظل الممدود : شجرة في الجنة على ساق ظلها قدر ما يسير الراكب في نواحيها مائة عام ، يخرج إليها أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم ، فيتحدثون في ظلها ، غراسها سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، جنتان فيهما من كل فاكهة زوجان ، وجنتان فيهما فاكهة ونخل ورمان ، وليست تلك الفواكه والنخل والرمان كهيئتها في الدنيا ، وإنما الاسم هو الاسم ، والمسمى غير المسمى ، قد ذللت قطوفها تذليلاً ، إن قام تناولها بسهولة ، وإن قعد تناولها بسهولة ، وإن اضطجع تناولها بسهولة ، كلما قطع منها شيئاً خلفه آخر ، كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ، وأتوا به متشابهاً في اللون والهيئة ، مختلفاً في الطعم ، ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ، يدعون فيها بكل فاكهة آمنين من الموت ، آمنين من الهرم ، آمنين من المرض ، آمنين من كل خوف ، ومن كل نقص في نعيمهم ، أو زوال ، خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ، إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ ، فيها أنهار من ماء غير آسن ــ أي لم يتغير ولا يتغير أبداً ــ ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه بحموضة ولا فساد ، وأنهار من خمر لذة للشاربين لا يصدع الرؤوس ولا يزيل العقول ، وأنهار من عسل مصفى ، تجري هذه الأنهار من غير حفر سواق ولا إقامة أخدود يصرفونها كما يشاؤون ، يطوف عليهم ولدان مخلدون ، إذا رأيتهم حسبتهم في جمالهم وانتشارهم في خدمة أسيادهم لؤلؤءاً منثوراً ، يطوفون عليهم بكأس من معين ، بيضاء لذة للشاربين ، بآنية من فضة ، وأكواب كانت قوارير ، قوارير من فضة قدروها تقديراً ، يعطى الواحد منهم قوة مئة في الطعام والشراب ؛ ليأكلوا من جميع ما طاب لهم ، ويشربوا من كل ما لذَّ لهم ، ويطول نعيمهم بذلك ، ثم يخرج طعامهم وشرابهم جشاء ورشحاً من جلودهم كريح المسك ، فلا بول ولا غائط ولا مخاط ، لهم فيها أزواج مطهرة من الحيض والنفاس والبول وكل أذى وقذر ، هم وأزواجهم في ظلال على الآرائك متكئون ، لهم فيها فاكهة ، ولهم ما يدعون ، سلام قولاً من رب رحيم ، أنشأهن الله إنشاء فجعلهن أبكاراً ، كلما جامعها زوجها عادت بكراً ، وجعلهن عرباً أتراباً ، والعروب هي المرأة المتوددة إلى زوجها ، أتراباً على سن واحدة ، فيها ما تشتهيه الأنفس ، وتلذ الأعين وهم فيها خالدون ، لا يبغون عنها حولا ، ولا هم عنها مخرجون ، ينادي مناد أن لكم أن تصحـوا فلا تسقموا أبداً ، وأن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً ، وأن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً ، وفوق ذلك كله أن الله أحل عليهم رضوانه ، فلا يسخط عليهم أبداً ، وفوق ذلك كله ما يحصل لهم من النعيم برؤية ربهم البر الرحيم ، الذي مَنَّ عليهم حتى أوصلهم بفضله إلى دار السلام والنعيم ، فإنهم يرونه عياناً بأبصارهم كما قال تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } ، وقال النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ : إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر .
فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ، وصلاة قبل غروبها ، فافعلوا ، فإن سألتم عن أهل هذه الجنات ، وساكني تلك الغرفات ، فهم الذين وصفهم الله في محكم الآيات بقوله : { قد أفلح المؤمنون . الذين هم في صلاتهم خاشعون . والذين هم عن اللغو معرضون . والذين هـم للزكاة فاعلون . والذين هم لفروجهم حافظون . إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون . والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون . والذين هم على صلواتهم يحافظون . أولئك هم الوارثون . الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون } .
اللَّهم إنا نسألك الجنة ، وما قرَّب إليها من قول وعمل ، ونعوذ بك من النار ، وما قرب إليها من قول وعمل ، اللَّهم تب علينا ، واغفر لنا ، وارحمنا ، إنك أنت التواب الغفور الرحيم .
في ذكر نماذج من عذاب النار:
الحمد لله ، مستحق الحمد وأهله ، المجازي خلقه جزاء دائراً بين عدله وفضله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ملكه وحكمه ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أفضل خلقه ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وتابعي هديه ، وسلم تسليماً .
أما بعد :
أيها الناس : اتقوا الله تعالى ، واتقوا النار التي أعدت للكافرين ، وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ، اتقوا ذلك بامتثال أوامر الله ، واجتناب نواهيه ، فإنه لا نجاة لكم من النار إلا بهذا ، اتقوا النار فإنها دار البوار والبؤس ، ودار الشقاء والعذاب الشديد ، دار من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ، ساكنوها شرار خلق الله من الشياطين وأتباعهم قال الله تعالى لإبليس : { فالحق والحق أقول لأملأنَّ جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } ، دار فرعون وهامان وقارون وأبّي بن خلف وغيرهم من طغاة الخلق وفجّارهم ، ولئن سألتم عن مكانها ، فإنها في أسفل السافلين ، وأبعد ما يكون عن رب العالمين ، طعام أهلها الزقوم ــ وهو شجر خبيث مر المطعم كريه المنظر لا يسمن ولا يغني من جوع ــ ، وفي الحديث عن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال : « اتقوا الله حق تقاته فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهـم » . رواه النسائي والترمذي وقال حسن صحيح .
هذا طعامهم إذا جاعوا ، فإذا أكلوا منها التهبت أكبادهم عطشاً ، وإن يستغيثوا يغاثو بماء كالمهل ــ وهو الرصاص المذاب ــ يشوي وجوههم حتى تتساقط لحومها ، فإذا شربوه على كره وضرورة قطع أمعاءهم ، ومزَّق جلودهم ، هذا شرابهم كالمهل في حرارته ، وكالصديد في نتنه وخبثه ، يضطر شاربه إلى شربه اضطراراً ، يتجرعه ولا يكاد يسيغه ، ويأتيه الموت من كل مكان ، وما هو بميت ، ومن ورائه عذاب غليظ .
أما لباسهم فلباس الشر والعار ، قطعت لهم ثياب من نار ، سرابيلهم من قطران ، وتغشى وجوههم النار ، فلا يقيهم هذا اللباس حر جهنم ، وإنما يزيدها اشتعالاً وحرارة ، ولا يستطيعون أن يقوا به وهج النار وحرها عن وجوههم : { يصب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجـوا منهـا مـن غـم أعيدوا فيهـا وذوقوا عذاب الحريق } .
عباد الله : اتقوا النار ، فإن حرها شديد ، قد فضلت على نار الدنيا كلها بتسع وستين جزءاً يصلاها المجرمون فتنضج جلودهم ، قال الله تعالى : { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها لذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيماً } ، يرتفع بهم اللهب حتى يصلوا إلى أعلاها ، وكلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ، وقيل لهم ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون ، عذابهم فيها دائم لا يفتر عنهم ، وهم فيه مبلسون ، يتكرر عليهم فلا يستريحون ، ويسألون الخلاص منه ولو ساعة فلا يجابون ، يقولون لخزنة جهنم : ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب ، فتقول الملائكة لهم أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات ؟! قالوا : بلى ، قالوا : فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ، فلن يستجاب لهم ؛ لأنهم لم يستجيبوا للرسل حينما دعوهم إلى الله تعالى ، فكان الجزاء من جنس العمل ، قالوا : ربنا غلبت علينا شقوتنا ، وكنا قوماً ضالين ، ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ، فيقول الله لهم ــ على وجه الإهانة والإذلال ــ : اخسؤوا فيها ولا تكلمون . فحينئذ ييأسون من كل خير ويعلمون أنهم فيها خالدون ، فيزدادون بؤساً إلى بؤسهم ، وحسرة إلى حسرتهم ، كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين مـن النـار : { خالدين فيها أبداً لا يجدون ولياً ولانصيراً يوم تقلـب وجوههـم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا } .
عباد الله : اتقوا النار ، فإن قعرها بعيد ، وأخذها شديد . قال أبو هريرة ــ رضي الله عنه ــ : كنا عند النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ فسمعنا وجبة ــ أي صوت شيء وقع ــ ، فقال النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ : « أتدرون ما هذا قلنا الله ورسوله أعلم قال هـذا حجـر أرسله الله في جهنم منذ سبعين خريفاً ــ أي سنة ــ فالآن حين انتهى إلى قعرها » . ( رواه مسلم ) .
إذا رأت النار أهلها من مكان بعيد ، سمعوا لها تغيظاً وزفيراً تتقطع منه القلوب ، فإذ ألقوا فيها ، سمعوا لها شهيقاً وهي تفور ، تكاد تتميز من الغيظ ــ أي تكاد تتقطع من شدة الغيظ والغضب على أهلها ــ ، فهي دار حانقة غاضبة على أهلها ، وهم في جوفها ، فما ظنك أن تفعل بهم ؟! .
عباد الله : اتقوا النار ، احذروا أن تكونوا من أهلها ، ولقد بين الله لكم صفات أهل النار ، وصفات أهل الجنة ، جملة وتفصيلاً ، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، قال الله تعالى : { فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى } .
اللَّهم إنا نسألك النجاة من النار ، والفوز بدار القرار ... إلخ .
لا تنسوني من دعائكم
اخوكم : حمزة